صوت زي النور الأخضر يسوقك معاهو بلطف ويُسر في الجهات الأربعة تغني بس ..
كلِّميهو يسيب عنادو ويسمع أحبابو البنادو..
أغنية (في مسيرك يا الهبيِّب) أسمح ما فيها أن المحور والثيمه الأساسية والطلب الإبتدائي والختامي (المهم تلقيهو طيب)، كلام سهل وأبسط مما تتصور، غاية يُقدم فيها الحبيب حُسن حال المعشوق على اشتياقه الخاص بمثلما ورد في كتاب النعام آدم الذي لخص المضمون في الغلاف ب (أريتك تبقى طيب إنت، أنا البي كلو هيِّن)، فمن صفات أهل السِلسِلّه، ناس أبوقطاطي وعثمان خالد وهاشم ميرغني وخليل اسماعيل السهروردي وآخرين، أنهم يؤثرون على أنفسهم والخصاصة فيهم مِقِّيله وبايته، عاشوا رهبانا بين تراتيلهم وخشوعهم، يأتون إلى الحياة في يُسر فيجمِّلوها ويرحلوا كنيازك مرت بالسماء في ليل صحراء مهيب..
خليل اسماعيل اللطيف، أجمع الناس على محبته كإنسان سهل ارتقى أولى عتبات الغناء في عروس الرمال وما أدراك ما العروس وما الرمال، دار اللِبيِّض، وادي سيليكون الحسان والمركز السوداني للعسل. أجمل لافتتين رأيتهما في قارات الدنيا كانتا (المركز السوداني للعسل) جوار البرلمان القديم بالخرطوم عندما كان في السودان برلمانا وقبل أن يصبح في عصر التتار مجرد كافتيريا مدعومة ومركزا للشخير وتبادل الرخص التجارية وحكايات مثنى وثلاث والمؤمن حلوي، أما اللافتة الثانية فكانت (مَشاتِل الأحباب) بالمهندسين في أمدرمان لها الرحمة ولأولاد قلِبا حسن العزاء.
مش ملاحظين العلاقة بين الرمال والجمال؟ نساء الرمال يتميزن بحُسن يُفضي بالرائي إلى مساكن السحر والجن وبقاعهم كما وادي عبقر وكهف غات الليبي، وتأكيدا لجمال أهل الرمال سُميت عاصمة الصحراء المغربية ب (العيون) غض النظر عما إذا كان فيهن نعاس أوينابيع فتنة أو سَرَف. بالطبع لولا حُسن الصحراويات ما وطئ تلك الغفار رجل، النساء هناك واحات لحالها، وفي ظني، وليس كل الظن إثم، أن كل من تغنَّى بهن هناك كان في حالة وَلَهٍ حقيقي لا يمكن السكوت عليه كلو كلو، يُفصِح العاشق فيهم حتى لو سُمي (الكاظم) عبدالله الذي تشبب بحسان زي (اللالايه) ورصيفاتها اليلهلهن اللهاة بأشعار خوالد حتى رفع، رحمه المولى، راية استسلام عالية بيضاء كتب عليها بالبونط العريض (يُمَّه الله من الريد)..
خليل بعث الهِبيِّب كمسنجر في مهمة تشبه دور الهدهد، شوفي لي أسباب غيابو وجيبي لي عذرو وجوابو، نهائي ما قال عتابو، زول بسيط وطلبو للهبيِّب الزاجل أبسط، عايز إفاده عن حال الحبيب لاغير.
المحبة للخليل لم تتأتى من كونه، مع مسير الهبيِّب، أتانا بأمانٍ عذبة من (أبوقطاطي) وليس لأنه أدلى بإفادة كالعلقم وحاره نار حين قال: والشباب أفنيتو أبحث عن وجيعي فأرسل جُل مجايلينا إلى الفلوات بلا زاد، وليس لأنه قدم عرضا أكروباتيا أوليمبيا مع البلابل وبشير عباس في (حيّرت أفكاري)، وليس لأنه حبب الناس في جبل مره وبف نفث القطار في صعوده الأسود المجيد عكس الريح باتجاه الأوزون، (كم كم كم سَرَّيت خليل وفرَّقت خليل من خليل)، لكن لأنه يغني من غدة صدق لا تُري تقع بين القلب والكبد بصوت يتموضع بين تينور وألتو يهدهدك في المهد صبيا، يحيِّدك ويعزلك تماما إلا من رويحتك دي، فترى في عينيه أنه بحق يعيش كل حرف في أغانيه وجوفو بياكلو اللهيب.
يا حليل شخصو العظيم السافر سكن النعيم..
في ملحمة هاشم صديق وعرض أبواللمين الجوي أيام يفاعتنا، كنا نتساءل، بعد أن أدلت أم بلينه السنوسي بشهادتها بأن (كان القرشي شهيدنا الأول) بصوت يؤكد (أن الخوارق ليست تُعاد)، كنا نتساءل: طيب ياربي منو الإخترق حاجز الصوت وطلع من نص السرب منشدا (وكان في الخطوه بنلقى شهيد بدمو بيرسم فجر العيد)؟ وطبعا دماء الشهداء حتما سترسم فجر العيد طال الزمن أم قصر لاتحول دون ذلك كل ترسانة الناتو أو بوتن. أها، الطلعه دي خليل عملها بحركة تعرف في مقاتلات السوخوي بال Copra Maneuver، طلعه أفقيه سريعه تليها وضعية الوِزين بصديرو عام، وطوالي شقلبة للخلف (سمرسولت) وخلفها دخان أحمر يجمِّل السماوات الصافيه تاركا بقية السرب بالجانبين يواصل طيرانه الأفقي بخطوط زرق فترتسم في السماء لوحة، كابتسامة العزيزة، تسعد الفضاء ويحتفل الأفق.
(وكان في الخطوه بنلقى شهيد بدمو بيرسم فجر العيد) دي عندما أسمعوها لخليل مسجلة في حفل نقله التلفزيون قبل رحيله المباغت بقليل، جاءه الشامخ محمد الأمين يصافحه، بكى الإثنان ولحقناهم سرا بالدَرب التِحت فكانت بحق لحظة مختلسة من زمن عجيب تصعب الكتابة عنها لأنها تختزل في كثافة عالية فرحة بقصة ثورة ٨ درجات على مقياس هاشم ريختر وجوقة المنشدين مقارنة بآمال عراض ممهورة بدماء الشهداء وعذابات الشرفاء تلاشت بفعل بعض عسكر العالم الفاشل الذين ظنوا، وما فتئوا، أنهم خلقوا ليحكموا ولم يتعلموا من تجربة ٥٤ عاما عجافا أورثتنا مؤونة قرن من الفواجع.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تصغير بعض الكلمات في هذه الأغنية ك (الهِبيِّب) و (الحِبيِّب) و(قِريِّب) يجعل منها لغة يضوع منها عبق ثياب صلوات الأمهات ويدثرها بجمال فادح عكس المبتغي من التصغير، التصغير فيهو حنيّه بأكثر من الكلمة الأصل، فيهو عاطفة صقيلة و organic ومدهشة، زي مناداة حبوباتنا يا (وِليدي) وزي ود بارا الفخم، يا سلام على ودبارا، لامن يقول (رويحة) الهاويه، وبريدك من زماااان لِسَّه، طبعا الريده عند الرجال كالنهر في جريانه يروي الزرع والضرع في عطاء حاتمي جل العمر حتى يلقى مصيره المحتوم في الدردنيل أوبحر الظلمات وتلك نتيجة منطقية لسؤال (أبوصلاح) التاريخي على لسان بادي: كيف تبقى عاشق وانت حي؟
أحمد المصطفى قال دستورو نازل في الخرطوم تلاته لكن الساكس المصاحب لأداء خليل يُدستِر كل الكائنات لا سيما مع أنامل تتقن الملامسة والمداعبة حد الإسكار والغيبوبة. إنصتوا له عند السنجك وغيتاشو الإثيوبي وسمير سرور أو فوستو بابيتي، يا تطرب يا تطرب والرده مستحيلة، عزف يصحي كل جيوش الشجن والخلايا النائمه فيك وفي كل من انتمى لفصيلة البشر. بالطبع هناك استثناءات قليلة لكائنات (تعرفونها جيدا) تقع خارج ال Homo Sapian ما في داعي نعكِّر بذكرها مقام الخليل.
يقول حسين البرغوثي: عمق الغناء يأتي، أحياناً، من عمق الوجع، كما يأتي الضحك الذهبي من كثرة المتاهات...
ملحوظه أخيرة:
قلبي من تعذيب بُعادو لاقى أهوالاً تَشيِّب.